أمنة .. المتمردة ...

غيرت اسمها  تمويها .. ودخلت السجن كاول انثى تعتقل على راي ..

 نتيجة بحث الصور عن آمنة بنت المختار الحقيقية

 داخل مقر رابطة النساء معيلات الأسر في العاصمة نواكشوط حركة دؤوبة ، وصدى آهات وأنات جاءت من جهات موريتانيا الأربع، تتبادلها جدران المكان الذي بدا وكأنه ملجأ أيتام

  اختلفت

وتعددت دواعي الألم وبواعث المعاناة المنبعثة من قاعات "معيلات الأسر"، المنظمة الأهلية الفريدة في مجال خدماتها، لكنها تتفق في الهدف وهو البحث عن حلول لمعضلات، واسترداد حقوق.

 
إنها آلام الأرامل والمطلقات وأوجاع المغتصبات القاصرات وعاملات المنازل وهموم النساء الموريتانيات؛ عموما، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية وهموم المستضعفين. تتلقاها آمنة بنت المختار فتحنو عليهم حنو المرضعات على الفطيم.
 
عشرات الحالات وجدت من يتبناها،وحالات أخرى تستوطن قوائم وملفات المناضلة الحقوقية.
 
ولدت في خمسينات القرن الماضي في نواكشوط، لأسرة عربية تعيش تقاليد السلاح، وقيم محافظة لأب لا يريد لابنته أن تخرج بعيدا عن البيت، أحرى أن تصبح مناضلة حقوقية. وفي طريقها إلى ذلك عانت الأمرين، بين البيت حيث التقييد والحبس والتضييق. والسلطة التي أخذت دورها لاحقا في المضايقات.
 
عبر تاريخ طويل من الكفاح؛ واجهت آمنة في سبيل الأسرة والمجتمع، حوصرت في البيت وسجنت في المعتقل، وصدحت بما لم تصدح به بنت قبلها في مجتمع محافط رماها بالجنون والتهور والخروج على المألوف، ووصل الأمر لهدر دمها، فكانت بحق "آمنة المتمردة".
 
الثعبان والجبل
 
يقول المثل الشعبي إن من "لدغه الثعبان يخاف الحبل"، وفعلا لم يكن الاندفاع والحماسة من تلك السيدة الستينية وليدا الصدفة، وإنما خرجا من رحم معاناة ومرارات الواقع الذي انبثقت منه آمنة بنت المختار.
 
فقد بدأت الفتاة المناضلة حياتها قي طليعة الوجوه اليسارية الرافضة للغبن والتمييز، فدخلت من باب (الحركة الوطنية الديمقراطية) من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية؛ التي استقطبت آلاف الشباب الموريتانيين إبان الاستقلال.
 
اجتاحت موريتانيا في تلك المرحلة موجة تمرد تأثرا بالحركات الاستقلالية في بلدان العالم الثالث، وقد تزوجت آمنة، وهي قي عامها الرابع عشر، زواجها الأول، وهي في عنفوان ثورتها وتمردها، وشاركت في التظاهرات السياسية رغم كونها حاملا بابنتها الأولى، فاضطر أهلها لوضع قيود قي رجليها، قبل أن تفلت منها وتتظاهر لتقبع في  السجن، مسجلة أول اسم مؤنث بين قوائم المعتقلين، وعادت إليه مرات عديدة، وفي إحدى المرات اعتقلت في دولة غامبيا، حين كانت تشارك في مؤتمر حقوقي، طرحت خلاله بعض "المحظورات" بالنسبة للنظام الحاكم، في التسعينات.
 
ظلت عائلتها تفرض عليها نمط حياة بنات عمومتها، فيما كانت هي دوما ترفض وتتمرد. تزوجت وطلقت وتغيرت حياتها وتأثرت بالواقع. تقول آمنة إن الحياة مدرسة، وإنها تعلمت الكثير لأنها ذاقت الأمرين دفاعا عن مبادئها "والحمد لله أنني اليوم أكرس وقتي وجهدي لمساعدة الناس ومن بين ثمار تضحياتي تشكيل رابطة النساء معيلات الأسر؛ التي تعتبر اليوم أمل ضحايا مختلف أشكال انتهاكات حقوق الإنسان".
 
شكل العام 1999 محطة بارزة في حياة آمنة في مجال حقوق الإنسان، فقد أسست "رابطة النساء معيلات الأسر"، رفقة 75 سيدة من زميلاتها.  وذلك بعد تأثرها الكبير بمحاكمة سيدة تزوجت عرفيا من رجل، وأنجبت منه أطفالا، وتوفي الرجل ولم يترك أثرا ولا دليلا على أبوته لهم. فاضطرت الزوجة ـ الأرملة، لرفع قضية أمام المحكمة.
 
تطورت تلك القضية، وكان من نتائجها المباشرة، تأسيس رابطة النساء معيلات الأسر، التي أصبح لها فيما بعد شأن كبير في صف منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في موريتانيا.
 
تتبنى بنت المحتار هموم الأرقاء والعبيد السابقين، وتتكفل بضحايا التمييز والقهر، وتدافع عن حقوق المطلقات، وتتدحرج في المحاكم معهم مناصرة لهم.
 
وتطالب الناشطة الحقوقية؛ التي اكتسبت شهرة واسعة في أوساط الفقراء، بتفعيل وتطوير قانون الأحوال الشخصية كي تتجسد المساواة. ودعت لوقف الاعتداءات على الأطفال القصر والخادمات ومحو كل أشكال التمييز ضد المرأة، وهي ترى أن الحواجز الاجتماعية تحرم المرأة من الولوج إلى مختلف ميادين الحياة، إلى جانب أخيها الرجل.
 
تكريم دولي
 
تقديرا لها على سنوات الدفاع عن المحرومين، تلقت آمنة عدة شهادات تكريم وإشادات من جهات مختلفة، وفي 2010 نالت جائزة خاصة من وزارة الخارجية الأمريكية "اعترافا بدورها في إحقاق الحق"، في مجال العمل ضد الرق والمتاجرة بالأشخاص والأعمال المنزلية للقاصرين، وسلمتها لها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. كما استقبلها الرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض تكريما لجهودها في ميدان حقوق الإنسان، كما حصلت على وسام من الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي.
 
وحصلت 2006 ع‍لى جائزة حقوق الإنسان للدولة الفرنسية، كما اختيرت من طرف أكاديميين أميركيين في جامعة "جورج تاون" ضمن 500 شخصية الأكثر تأثيرا في العالم الإسلامي، واختيرت مستشارة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا من قبل مجلس استشاريات الصندوق العالمي للنساء، وهو مجلس يضم قيادات نسائية عالمية لها دور في تحقيق التنمية في بلدها، وبالإضافة إلى ذلك تلقت العديد من الجوائز التقديرية وشكلت دوما شوكة في حلق الحكام الذين يعتدون على حقوق الإنسان و يمارسون ظلما ضد الأقليات؛ بحسب تعبير أحد الصحافين.
 
مغالطة السلطة
 
تتمتع بنت المختار بعلاقات واسعة في أوساط الهيئات الحقوقية والإعلامية، ويقول الصحافي جمال ولد محمد عمر "أنا اعتبر السيدة آمنة، حالة تكاد تكون فريدة في المجتمع الموريتاني، إذا ما قارناها بالأدوار التي تلعبها المرأة في المجتمع التقليدي المحافظ إلى حد ما، فهذه السيدة خرجت عن القاعدة العامة للمرأة وصرخت بأعلى صوتها ضد تابوهات اجتماعية تقاعس الكثير من الناس عن الخوض فيها، خوفا من تيار المجتمع أو محابات للسلطة".
 
وبفضل نضال هذه السيدة وحملها لشعار الدفاع عن حقوق الإنسان وخاصة الطبقات والفئات المضطهدة اجتماعيا وتاريخيا، اختيرت من ضمن مائة أهم شخصية عالمية  2010، ومن تلك القضايا التي تدافع عنها ودخلت بسببها السجن وعانت من المضايقات، الدفاع عن حقوق الأرقاء السابقين ومحاربتها المستميتة لظاهرة العبودية ووقفها إلى جانب المرأة التي تقع ضحية للعنف الزوجي والأسري وضحية الطلاق.
 
وانطلاقا من دفاعها عن المرأة بصفة خاصة أسست رابطة النساء معيلات الأسر، ولم تتمكن من الحصول على ترخيص تلك المنظمة إلا بعد أن غيرت اسمها الحقيقي، من آمنة بنت أعل، إلى آمنة بنت المختار، هو اسم مستعار لكنه أصبح متداولا بين الناس. وتوضح بنت المختار في مقابلة سابقة أن السبب الداعي هو كون اسمها الحقيقي معروف عند الأمن، وبالتالي لا تستطيع أن تتنقل ببطاقة تحمل ذلك الاسم إلا ووجدت مضايقات. فاضطرت للجوء إلى تلك الحيلة ونجحت فيها، "لأن الأمن يعرفون اسمي أكثر من شخصي".
 
غيرت اسمها إذًا، كي تغالط السلطات في عهد الرئيس الأسبق ولد الطايع الذي كان نظامه يرفض الحديث عن وجود ظاهرة الاسترقاق والعبودية في المجتمع الموريتاني. ولاحقا أصبح الإسم الجديد أشهر من الاسم الحقيقي، فواصلت بنت المختار نضالاً ترى أنه لن يتوقف ما زالت على قيد الحياة، نصرة للضعفاء والمظلومين في مجتمع لا ترى فارقًا بين مكوناته. وهي في سبيل مستعدة لأي شيء..فقد رهنت حياتها له

 سعيد ولد حبيب